أبي طالب المكي
368
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
منهم ما يقتضون منه فقد أتعبهم ، ومن لم يقتضهم فقد تفضل عليهم . وبمعناه روينا عن بعض الحكماء : من جعل نفسه فوق قدره عند الإخوان أثم وأثموا ، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم ، ومن جعلها دون قدره سلم وسلموا ، فلذلك عزز الناس الأخوة في الله عزّ وجلّ قديما ، لأن هذا حقيقتها . فروى في الأخبار ، اثنان عزيزان ولا يزدادان ، إلَّا عزة درهم من حلال وأخ تسكن إليه . وقيل تأنس به . وقال يحيى بن معاذ رحمه الله : ثلاثة عزيزة في وقتنا هذا ، ذكر منها حسن الإخاء مع الوفاء ، يعني بالوفاء أن يكون له في غيبته ، ومن حيث لا يعلم ولا يبلغه ، مثل ما كان له في شهوده ومعاشرته ، ويكون له بعد موته ولأهلَّه من بعده كما كان له في حياته ، فهذا هو الوفاء ، وهو الذي شرطه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤاخاة في قوله : اجتمعا على ذلك أو تفرّقا ، وجعل جزاءه إظلال العرش يوم القيامة . وكذلك قال بعض الأدباء : قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال الحياة . وكذلك كان السلف فيما ذكره الحسن وغيره ، قالوا : كان أحدهم يخلف أخاه في عياله بعد موته أربعين سنة ، لا يفقدون إلَّا وجهه . ويقال إنّ مسروقا أدان دينا ثقيلا ، وكان على أخيه خيثمة دين ، قال : فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم ، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق سرّا وهو لا يعلم ، فمن حقيقة المؤاخاة في الله عزّ وجلّ إخلاص المودة له بالغيب ، والشهادة واستواء القلب مع اللسان ، واعتدال السرّ مع العلانية في الجماعة والخلوة ، فإذا لم يختلف ذلك فهو إخلاص الأخوة ، وإن اختلف ذلك ففيه مداهنة في الأخوة ، وممازقة في المودة ، وذلك دخل في الدين ، ووليجة في طريق المؤمنين ، ولا يكون ذلك مع حقيقة الإيمان . وقد سأل أبو رزين العقيلي النبي صلى الله عليه وسلم ، فشرط له أشياء منها : أن يحب غير ذي نسب لا يحبه إلَّا لله عزّ وجلّ ، ومن شرط المحبة في الله تعالى أن لا يكون لرحم يصلها أو لنعمة يربها ، كما جاء في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنّ رجلا زار أخا في الله تعالى في قرية أخرى ، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا ، فقال : أين تريد ، قال : أردت أخا لي في هذه القرية ، قال : هل بينك وبينه رحم تصلها أو له عليك نعمة تربها ، قال : لا ، إلَّا أني أحببته في الله تعالى ، قال : فإني رسول الله إليك ، إنّ الله تبارك وتعالى قد أحبك كما أحببته فيه . وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعن ابنه عبد الله رضي الله عنهما : لو أن رجلا صام النهار لا يفطر ، وقام الليل وجاهد ، ولم يحب في الله عزّ وجلّ ويبغض في الله ما نفعه ذلك شيئا . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه : أي عرى الإيمان أوثق ؟ قال : الصلاة ، قال : حسنة وليس به ، قالوا : الحج والجهاد ، قال حسنة وليس به ،